المعتقلون الإرتريون ضميرنا المغيب - محمد عمر إسماعيل

Print

بقلم تلميذه: محمد علي حسن تاريخ: 16-4-2015

سيرة علاَّمة معتقل شيخنا الحبيب الأستاذ محمد عمر إسماعيل، أين أنت؟: الشيخ الجليل، والعالم النحرير، والقدوة النادر، والورع الزاهد... رجلا جمع بين العلم والعمل، لم يعلِّم ْالمتونَ فقط، ولكنه ربى الرجال... رجل تجرد من حظوظ الدنيا، وخلع ربقة الجاهليات والعصبيات،

ووهب حياته لله... فكان يصوم النهار، ويقوم الليل، وكان يملك جلبابين يغسل احدهما ويرتدي الآخر... لم يرَ تلامذته انسانا ورعا وزاهدا مثله... كان واسع العلم سلسل الدعوة، وسطي الفكر، معتدل التوجهات، محبا للخير، مشفقا على الفقراء، مساندا لطلبة العلم... اخذ من كل علم نصيبا، ومن كل سلوك ضياءا وبريقا... وهو الأخ غير الشقيق لأبناء الشيخ الجليل/ ابراهيم المختار رحمه الله... يحدثنا عنه أحد تلامذته فيقول: {الشيخ محمد عمر إسماعيل لمن لا يعرفه علم من أعلام الدعوة الإسلامية في أرتريا، ولد في أرتريا، وغادرها في ريعان شبابه.

درس في السودان ومصر، وتخرج من الجامعة الأزهرية، وفرغ حياته للدعوة إلى الله عز وجل. ولم يكن شيخنا مجرد خريج جامعة يحمل الشهادات، ويحفظ النصوص، والمتون، والحواشي، ولكنه كان رجلا يحمل فكرا، وعقيدة، يعيش لهما، وينافح عنهما ؛ رجلا يحمل هم أمته، ويعيش آلامها وآمالها، ويسعى بجد لرفع الغبن عنها، ونشر الفكر النير الصحيح بينها.

أعرض عن المناصب، والوظائف، وأختار عيشة الكفاف، وفرغ نفسه للدعوة التي آمن بها ونذر نفسه لها. عرفته شوارع وأحياء القاهرة وهو يجوبها، طارقا أبواب أهل الخير، لا بحثا عن نفع شخصي، ولكن لإيصال حاجة المحتاجين إليهم، ورفع الكرب عنهم.

فكم من الأرامل والأيتام والفقراء قد ساعد، وكم من الطلبة قد يسر لهم سبل الدراسة، وكم من الباحثين عن العمل قد أوجد لهم فرص العمل، وكم من شباب قد حماهم من الإنحراف، وفتح لهم أبواب الهداية والدعوة. سماه صديقه الدكتور بيان "رسول الخير"، لما عرفه من نشره للخير بين الناس وحرصه على مساعدتهم. قلت له في أخر لقائي به أما آن لك ياشيخ محمد أن تلتفت إلى نفسك، وتحصل على عمل في الخليج من خلال معارفك، وتتزوج وتستقر. فرد علي بابتسامته المعتادة، ولم يزد على ذلك، وكأنه يقول لي إليك عني فقد تزوجت دعوتي، وهي حياتي ومستقبلي.

كانت علاقاته واسعة بكل الشخصيات العلمية البارزة في مصر وخارجها، وقد وظف هذه العلاقات لمساعدة الكثيرين، ولم يفكر يوما ما في أن يوظفها في صالحه الخاص. صحبته في زيارة لفضيلة الشيخ محمد الغزالي، والأستاذ المفكر أنورالجندي، والكاتب المفكر الأستاذ جمال البنا، وقد شاهدت ماكان يتمتع به من تقدير وإجلال لدىهؤلاء الأعلام.

إنتقل الأستاذ محمد عمر إلى السودان بعد سنين طويلة من الإقامة في مصر، وفي السودان حن إلى أرض الوطن وإلى إمه التي لم يشاهدها منذ مغادرته لأرتريا، فقرر الذهاب إلى أسمرة فنصحه بعض العارفين بأحوال البلاد بأن لا يفعل، حيث أن البلاد قد تحولت إلى سجن كبير، وأنها ترزح تحت طغيان لايسمح لحر ولا لمفكر ولا لداعية بالبقاء فيها. ولكن شيخنا أصر على الذهاب ليرى أمه، وينال دعاءها وبركتها، فدخل البلاد عن طريق البر، ووصل أسمرة والتقى بوالدته، وبعد عشرة أيام تقريبا خطف من أحد الشوارع في أسمرة من قبل عصابات رجال الأمن التابعة للطغمة الحاكمة في أرتريا.

في 12 إبريل 1994م وقد مضت على خطفه كل تلك السنوات ولا يعرف أحد حتى الأن أين مصيره، وهو بذلك قد انضم إلى قافلة الأحرار الشرفاء من أبناء أرتريا الذين يرزحون تحت أقبية السجون. وأنا على يقين بأن الشيخ محمد لم يفاجأ بما حدث له، ولم يتخاذل ويتراجع، كيف لا وهو رجل الدعوة الذي يعرف تبعاتها والمخاطر التي أمامه.

وعزاؤنا وعزاء شيخنا أن بذور الخير التي بذرها قد بدأت تؤتي الآن ثمارها، وطلبته ومحبيه منتشرون في أقطار العالم، من أستراليا إلى أوروبا وأمريكا، وإلى أقطار العالم العربي، ينشرون الخير بين الناس، ويحملون مشعل الدعوة، وينيرون الطريق للآخرين. وذلك مما يسوء أؤلئك الطغاة الذين حاصروه وشلوا حركته، ولكنهم عجزوا عن محاصرة فكره النير، وحجب قدوته الحسنة. إن مأساة شيخنا هي مأساة أرتريا كلها.

أرتريا التي حولها الطغاة إلى كابوس مخيف، وشبح رهيب، وحولوا أحلام الحرية، وتطلعات المستقبل إلى سراب. والسؤال الذي يطرح نفسه : ما معنى التغني بالحرية، وإقامة الحفلات والبلاد تعيش و تمر بأسوأ ما مرت به في تاريخها. فياحسرة على أرتريا التي يهان ويذل فيها الإنسان؛ يخطف من بين أهله وذويه، فلا محاكم ولا دستور ولا حقوق، وإنما أهواء نفوس مريضة، إستمرأت الكراسي، وفقدت مشاعرها الإنسانية، وتخلت عن كل القيم البشرية.

ألا فليعلم أولئك الطواغيت أن دموع الأمهات، وآهاتالشيوخ، وصرخات الأيتام، ودعوات الأسحار ستلاحقهم أين ما كانوا، ومصيرهم في مزبلة التاريخ مع أسلافهم هيلى سلاسي، ومنجستوا وأشباههم. حفظ الله شيخنا وثبته ورعاه، وفك أسره، وأسر إخوانه الدعاة المصلحين، إن كان في الأحياء؛ وإن كان في الأموات فندعوا الله أن يتقبله في الشهداء والصالحين ويحسن مثوبته}.